التساؤل عن ترتيب سور القرآن الكريم : هل تم بالوحي أم باجتهاد من الصحابة ؟ جاء في وقت متأخر , بعد الجمع الثالث للقرآن الكريم والذي تم في عهد الخليفة عثمان بن عفان – رضي الله عنه – سنة 25 هـ .
( جمع القرآن ثلاث مرات : إحداها بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم , والثانية بحضرة أبي بكر, والجمع الثالث هو ترتيب السور في زمن عثمان على النحو الذي وصلنا ) (1)
ورغم الاتفاق على أن ترتيب آيات القرآن توقيفي ( من عند الله ) فقد اختلف العلماء في ترتيب سور القرآن على ثلاثة أقوال . (2)
وظلت هذه الأقوال قائمة حتى يومنا هذا , إذ لم يستطع أي فريق أن يحسم المسالة لصالحه بشكل نهائي . وقد أدى ذلك إلى تحول مسالة ترتيب القرآن إلى مسألة خلافية ( موضع اختلاف بين العلماء ) فمسالة ثانوية- عند البعض - لا أهمية لها , لأنه لن يترتب عليها زيادة أو نقصان في كتاب الله , فسواء أكان ترتيب سور القرآن توقيفيا ( من عند الله ) أو اجتهاديا ( من الصحابة ) وسواء أكان عدد آياته كذا أم كذا فالقرآن هو القرآن محفوظ من أي تحريف مهما كان , بتعهد من الله .. وبدليل الآية :

( سورة الحجر 15 : 9 )
وكان من الطبيعي وهذه الحال أن ُيستبعد ترتيب القرآن من مجال الاهتمام .
______________________________________________
( 1 ) الإتقان في علوم القرآن للسيوطي : ج 1 ص 130 .
( 2 ) منهل العرفان للزرقاني : ج1 ص 353 .
ومن غير المعقول أن يذهب احد إلى القول بإعجاز القرآن في ترتيبه أوفـي رسمه في هذه المرحلة في ظل تضارب الآراء واختلافها وإغلاق باب الاجتهاد غير المعلن .
ولا يخفى أن استبعاد الترتيب من دائرة الاهتمام ليس سببه أن هذه المسالة لا أهمية لها , السبب الحقيقي هو عدم امتلاك أي من الآراء في مسألة ترتيب
القرآن من قوة الأدلة ما يجعل الأخذ به أمرا مأمونا , وما قد ينتج عن ذلك إذا ما تبين فيما بعد خلافه , ولعل السلامة في هذه الحال الإبقاء على الآراء المتضاربة كلها دون الجزم بواحد منها على وجه اليقين , وبذلك نتجنب الوقوع في مأزق التراجع عن رأي ما ثم الأخذ بسواه . ولا يخفى أن استمرار الأمور على هذا الحال يعني التوقف في هذه المسالة عند نقطة ثابتة لا يمكن تجاوزها, وما يترتب على ذلك من حرمان المسلمين من حقيقة ترتيب القرآن وبقائها غائبة زمنا جديدا.
( ولعل هذا ما حصل مع الذين رحبوا بدراسة رشاد خليفة المعروفة وتبين لهم بعد ذلك ما فيها من التحريف والأخطاء المقصودة , مما جعلهم يتخذون موقفا اشد حذرا من أي دراسة مماثلة , قد يصل إلى حد الرفض ) . (1)
وإذا كانت مثل هذه النهاية مقبولة لدى المسلمين على علاتها , فهي ليست كذلك بالنسبة إلى غيرهم , فقد وجد فيها الآخرون ( المستشرقون والمشككون وخصوم الإسلام ) منفذا يعبرون منه للنيل من القرآن والطعن فيه وإثارة الشبهات والافتراءات من حوله بدليل الاختلاف وتضارب الآراء وتعددها .
_______________________________________________
والله أعلم